الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
48
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
العزيز لأن اللّه عصمه من الهمّ بالمعصية بما أراه من البرهان . قال أبو حاتم : كنت أقرأ غريب القرآن على أبي عبيدة فلما أتيت على قوله : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها الآية قال أبو عبيدة : هذا على التقديم والتأخير ، أي تقديم الجواب وتأخير الشرط ، كأنه قال : ولقد همّت به ولولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها . وطعن في هذا التأويل الطبري بأن جواب لَوْ لا لا يتقدم عليها . ويدفع هذا الطعن أن أبا عبيدة لما قال ذلك علمنا أنه لا يرى منع تقديم جواب لَوْ لا ، على أنه قد يجعل المذكور قبل لَوْ لا دليلا للجواب والجواب محذوفا لدلالة ما قبل لَوْ لا عليه . ولا مفرّ من ذلك على كل تقدير فإن لَوْ لا وشرطها تقييد لقوله : وَهَمَّ بِها على جميع التأويلات ، فما يقدّر من الجواب يقدّر على جميع التأويلات . وقال جماعة : همّ يوسف بأن يجيبها لما دعته إليه ثم ارعوى وانكفّ على ذلك لما رأى برهان ربه . قاله ابن عباس ، وقتادة ، وابن أبي مليكة ، وثعلب . وبيان هذا أنه انصرف عمّا همّ به بحفظ اللّه أو بعصمته ، والهمّ بالسيئة مع الكف عن إيقاعها ليس بكبيرة فلا ينافي عصمة الأنبياء من الكبائر قبل النبوءة على قول من رأى عصمتهم منها قبل النبوءة ، وهو قول الجمهور ، وفيه خلاف ، ولذلك جوز ابن عباس ذلك على يوسف . وقال جماعة : همّ يوسف وأخذ في التهيّؤ لذلك فرأى برهانا صرفه عن ذلك فأقلع عن ذلك . وهذا قول السديّ ، ورواية عن ابن عباس . وهو يرجع إلى ما بيناه في القول الذي قبله . وقد خبط صاحب « الكشاف » في إلصاق هذه الروايات بمن يسميهم الحشوية والمجبرة ، وهو يعني الأشاعرة ، وغض بصره عن أسماء من عزيت إليهم هذه التّأويلات ( رمتني بدائها وانسلت ) ولم يتعجب من إجماع الجميع على محاولة إخوة يوسف - عليه السّلام - قتله والقتل أشد . والرؤية : هنا علمية لأن البرهان من المعاني التي لا ترى بالبصر . والبرهان : الحجة . وهذا البرهان من جملته صرفه عن الهمّ بها ، ولولا ذلك لكان حال البشرية لا يسلم من الهمّ بمطاوعتها في تلك الحالة لتوفّر دواعي الهمّ من حسنها ، ورغبتها فيه ، واغتباط أمثاله بطاعتها ، والقرب منها ، ودواعي الشباب المسولة لذلك ، فكان برهان اللّه هو الحائل بينه وبين الهمّ بها دون شيء آخر . واختلف المفسرون في ما هو هذا البرهان ، فمنهم من يشير إلى أنه حجة نظرية